بركات ل "مصر الآن "هل انتهى صعود الذهب؟ قراءة اقتصادية عميقة لمستقبل أسعار الذهب
قال الخبير الاقتصادي الدكتور وائل بركات في تصريح لـ " مصر الآن "إنه وبعد موجة صعود قوية جعلت المعدن الأصفر يتصدر عناوين الأخبار ويجذب أنظار المستثمرين حول العالم، بدأت الأسعار تتراجع قليلًا، لتفتح بابًا واسعًا للتكهنات والتحليلات. البعض يرى أن الذهب يلتقط أنفاسه قبل صعود جديد، بينما يتساءل آخرون إن كان هذا التراجع بداية مرحلة مختلفة تمامًا.
وأضاف بركات لكن الحقيقة أن الذهب لم يكن يومًا مجرد معدن يتغير سعره وفق العرض والطلب فقط، بل هو مرآة تعكس حالة العالم الاقتصادية والسياسية. فعندما يشعر المستثمرون بالخوف من الأزمات أو التوترات الدولية، يتجهون إليه باعتباره ملاذًا آمنًا. وعندما تزداد الثقة في الاقتصاد العالمي أو ترتفع أسعار الفائدة، تتراجع جاذبيته مؤقتًا. ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية لفهم ما يحدث اليوم في سوق الذهب.
وقال في الفترة الأخيرة وجد الذهب نفسه بين قوتين متعارضتين. القوة الأولى تدفعه إلى الصعود، وهي حالة عدم اليقين التي يعيشها العالم. فالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والاضطرابات الاقتصادية العالمية، وارتفاع مستويات الديون في كثير من الدول، كلها عوامل تجعل المستثمرين يبحثون عن الأمان في الأصول التي حافظت على قيمتها عبر التاريخ، وفي مقدمتها الذهب.
أما القوة الثانية فتضغط عليه في الاتجاه المعاكس، وتتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وقوة الدولار. فعندما ترتفع الفائدة تصبح السندات وأدوات الاستثمار الأخرى أكثر جاذبية لأنها توفر عائدًا مباشرًا، بينما الذهب لا يمنح حامله أي عائد دوري. ولهذا يميل بعض المستثمرين إلى تحويل أموالهم من الذهب إلى أدوات مالية أخرى في فترات ارتفاع الفائدة.
وقال من هنا يظهر ما يراه كثير من الخبراء الاقتصاديين اليوم: ما يحدث في سوق الذهب ليس انهيارًا في الاتجاه، بل أقرب إلى مرحلة تصحيح طبيعية بعد موجة صعود قوية. فالأسواق المالية لا تتحرك في خطوط مستقيمة، بل تمر بدورات من الارتفاع ثم التراجع المؤقت قبل أن تستعيد اتجاهها العام.
وعند النظر إلى الصورة الأوسع نجد أن هناك عوامل هيكلية لا تزال تدعم الذهب على المدى الطويل. من أهم هذه العوامل الطلب المتزايد من البنوك المركزية حول العالم، التي بدأت خلال السنوات الأخيرة في زيادة احتياطياتها من الذهب كوسيلة لتنويع الأصول وتقليل الاعتماد على العملات التقليدية. كما أن صناديق الاستثمار الكبرى ما زالت تنظر إلى الذهب باعتباره أحد أهم أدوات التحوط ضد التضخم وعدم الاستقرار الاقتصادي.
وأشار إلى أنه بالنسبة للسؤال الذي يشغل كثيرًا من الناس: إلى أي مستوى قد يهبط الذهب؟ فإن الإجابة الدقيقة ليست سهلة، لأن الأسواق المالية بطبيعتها تتأثر بعوامل متعددة في الوقت نفسه. لكن من الناحية الاقتصادية غالبًا ما يتراجع الذهب إلى مستويات دعم معينة قبل أن يعود المشترون إلى السوق من جديد. هذه المستويات تمثل نقاطًا يرى عندها المستثمرون أن السعر أصبح مناسبًا للشراء مرة أخرى.
وفي كثير من الأحيان يكون هذا التراجع جزءًا من حركة صحية للأسواق، لأنه يسمح بتصحيح المبالغة في الأسعار ويمنح السوق فرصة لإعادة التوازن. ولذلك فإن فترات الهبوط القصير لا تعني بالضرورة أن الاتجاه العام قد تغير.
كما يجب الانتباه إلى أن السعر الذي يراه المواطن في السوق المحلية لا يعتمد فقط على السعر العالمي للذهب، بل يتأثر أيضًا بعوامل أخرى مثل سعر العملة المحلية وتكاليف الاستيراد والطلب الداخلي. ولهذا قد يختلف اتجاه الذهب في بعض الأسواق المحلية عن الاتجاه العالمي في فترات معينة.
لكن إذا نظرنا إلى الاتجاه الطويل الأجل سنجد أن الذهب حافظ عبر التاريخ على مكانته كأحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون في أوقات عدم اليقين. فكلما زادت التوترات السياسية أو الاقتصادية في العالم، عاد الاهتمام بالذهب ليزداد مرة أخرى.
وقال ولهذا فإن المرحلة الحالية قد تكون ببساطة فترة هدوء مؤقتة في رحلة أطول. قد يتراجع الذهب قليلًا، وقد يتحرك في نطاقات سعرية متذبذبة لبعض الوقت، لكن طالما بقي العالم يعيش حالة من التغيرات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، فإن المعدن الأصفر سيظل يحتفظ بدوره التاريخي كملاذ آمن.
وفي النهاية يبقى الذهب أكثر من مجرد سلعة يتم تداولها في الأسواق. إنه مؤشر نفسي يعكس مستوى القلق في الاقتصاد العالمي. وعندما ينظر المستثمرون إلى المستقبل ويشعرون بأن الطريق مليء بالضباب، فإن بريق الذهب يعود ليجذبهم من جديد.
ولهذا قد يتراجع الذهب أحيانًا، وقد يتعثر في بعض المراحل، لكنه نادرًا ما يخرج تمامًا من دائرة الاهتمام. فالعالم، كما يثبت التاريخ مرارًا، لا يكف عن إنتاج أسباب جديدة تجعل الذهب يعود إلى الواجهة مرة أخرى.






